أبي منصور الماتريدي
175
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا [ بذلك وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي : لا يجيبون ، ولا يسمعون ، ولا يؤمنون ] « 1 » . ويحتمل أن يكون : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا : الآيات والحجج ، وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي : لا ينتفعون بسماعهم ، أو لا يعقلون كالدواب وغيرها . قال أبو بكر الأصم : قوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ استثقالا ، وبغضا ؛ أي : لا يستمعون إليه ؛ لأن من استثقل شيئا وأبغضه « 2 » لم يستمع إليه ؛ كقوله : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . تأويله - والله أعلم - : أن الذي هو [ من ] « 3 » شر الدواب عند الله هو الأصم الذي لا ينتفع بسمعه ، والأبكم الذي لا ينتفع بلسانه ونطقه ؛ لأنهم لم ينتفعوا بسمعهم لما جعل له السمع ، ولم ينتفعوا بنطقهم لما جعل له النطق ، ولم ينتفعوا بعقلهم لما جعل له العقل ، فهم شر الدواب ؛ كقوله : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] وأشر ؛ لأن الدواب والأنعام انتفعت بهذه الحواس لما جعلت لها هذه الحواس ، عرفت بهذه الحواس المهالك والمضار فتوقت عنها ، وعرفت الملاذ والمنافع بها فترغب فيها وتقع ، فانتفعت الدواب بالحواس التي جعلت لها لما جعلت ، ولم يجعل لها هذه الحواس إلا للمقدار الذي عرفت وفهمت وانتفعت ، وهؤلاء الكفرة لم ينتفعوا بالحواس التي جعلت لهم لما جعلت له ذلك ؛ ليعرفوا النافع لهم والملاذ في العاقبة كذلك ويعرفوا الضار لهم في العاقبة والمهلك فيتوقوا عنه ، فلم ينتفعوا بحواسهم لما جعلت الحواس ، والدواب انتفعت بها ؛ لذلك كانوا أضل وأشر [ منها ] « 4 » . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ الذين اكتسبوا الصمم الدائم والعمى الدائم ، وذلك في الآخرة ؛ كقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا [ الإسراء : 97 ] ، وقوله : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] ، أي : تركوا اكتساب البصر الدائم ، والسمع الدائم ، [ و ] « 5 » الحياة الدائمة والباقية ، سماهم صمّا وبكما وعميا ؛ لما لم يكتسبوا بصر القلب ، ونطق القلب ، وسمع القلب ؛ فهذه هي الحواس التي تكون
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : وأبغض . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في أ .